صفقة القرن… التفاوض أم تصفية القضية؟
بقلم: أ. علا المصري
في خطوةٍ متقدمة لتصفية القضية الفلسطينية يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما يسمى بـ “صفقة القرن” أو “خطة السلام الأمريكية”، في ظل ظروف غير عادية يمر بها هو ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فالرئيس الأمريكي ترامب مهدد اليوم بعدم إكمال فترته الرئاسية؛ لإساءته استخدام السلطة، فيما يحاكم رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو على قضايا فساد، ما يهدد ترشحه لفترة رئاسية أخرى.
ويصرح الرئيس الأمريكي خلال خطابه بأنه أعطى لدولة الاحتلال ما لم يعطه أي رئيس أمريكي آخر، كما يؤكد نتنياهو بأن ترامب أعطى دولة الاحتلال ما لم تتمكن من أخذه سابقاً في البيت الأبيض. ما يطرح تساؤلات عدة؛ مثل: أين وصلت المفاوضات؟ وما الذي أعطته صفقة القرن لدولة الاحتلال والفلسطينيين؟ وماذا عن القدس والمسجد الأقصى؟
إلى أين وصل التفاوض؟
عقب حرب عام 1967، واحتلال ما تبقى من الضفة الغربية بما فيها شرق مدينة القدس، ومرتفعات الجولان وسيناء، شهدت القضية الفلسطينية -في القرن الماضي- العديد من المحاولات لحل القضية سلمياً، نتج عنها معاهدة كامب ديفيد عام 1978 بين دولة الاحتلال ومصر، لتكون أول دولة عربية تفاوض الاحتلال بشكل مباشر، وتوقع اتفاقية معه، وتخرج من الصراع العربي- الإسرائيلي، والقارئ للشق الفلسطيني في المعاهدة يجد أنه واتفاق أوسلو واحد، ولكن اتفاقية كامب ديفيد كلفت الرئيس المصري آنذاك حياته، ما يعني التفاف الجماهير حول رفض الحلول السلمية، وتأكيداً على مفهوم المقاومة لتحرير الأرض.
لاحقاً، في مؤتمر مدريد عام 1991 انتقلت منظمة التحرير بالتفاوض إلى مرحلة جديدة؛ وهي التفاوض المباشر، أرادت بها المنظمة بناء الدولة الفلسطينية، وعودة القيادات المبعدة آنذاك من تونس إلى أرض فلسطين، لكن هذه المفاوضات اتسمت بالسرية، ففي الوقت الذي جلس فيه وفد معلن عن منظمة التحرير الفلسطينية مع دولة الاحتلال، كان الرئيس ياسر عرفات ومعه محمود عباس يخوضان مفاوضات سرية مع دولة الاحتلال، لتفاجئ الجميع -بما فيهم الأردن- بتوقيع إعلان المبادئ الفلسطيني- الإسرائيلي (أوسلو) عام 1993، وقد نتج عن هذا الاتفاق إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية بدءاً بانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة وأريحا، وإعادة انتشارها تمهيداً لإقامة دولة فلسطينية خلال خمس سنوات، ومضت السنوات، ولم تعطِ المفاوضات والاتفاقات الفلسطينيين شيئاً، لكنها أعطت دولة الاحتلال الوقت الكافي لبناء حقائق على الأرض يصعب تجاوزها أو تغييرها أو التفاوض عليها، عدا أنها أجلت قضايا الحل النهائي (القدس، واللاجئون، والمستوطنات، والحدود، والأمن، والمياه).
والباحث في المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية خلال العقد السابق، يتضح له أن سلوك المفاوض الفلسطيني كان ينطلق من سقف منخفض، بمعنى أنه يقدم التنازلات قبل حتى أن تُطلب منه، وهو ما أعطى دولة الاحتلال الوقت الكافي لحسم قضايا الحل النهائي كأمر واقع لا يمكن تغييره.
عام 2000 تنهار المفاوضات، ويدرك رئيس السلطة الفلسطينية آنذاك ياسر عرفات -متأخراً- أن المفاوضات غير مجدية، فيدعم الانتفاضة الفلسطينية، ويسلحها، ويخرج قياداتها من السجون، وكأنه يقول “علي وعلى أعدائي”، ويرسل رسالة للاحتلال مفادها أنه لن يستطيع التنازل عن القدس، ومنذ ذلك الوقت لم تقدم المفاوضات أو تؤخر شيئاً، وكل ما فعلته مزيداً من الاستيطان والتهويد، وسيطرة دولة الاحتلال على القدس.
وصولاً إلى 28/01/2020 حيث يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “صفقة القرن” بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لتكون حسماً لقضايا الحل النهائي.
مصير قضايا الحل النهائي
في 2017 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس، ويعترف بـ”القدس الكاملة والموحدة عاصمة لإسرائيل”، حاسماً بذلك مستقبل مدينة القدس كمدينةٍ “إسرائيلية”، بل وعاصمة لدولة الاحتلال، وهو ما أشار إليه في خطاب الصفقة.
أما فيما يتعلق بالحدود، فقد أعلن ترامب السيادة “الإسرائيلية” على مرتفعات الجولان وغور الأردن، وحول ذلك يشير رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه أصبح لدولة الاحتلال حدود واضحة، هذه الحدود تشترك مع كل من الأردن شرقاً، وسورياً شمالاً، ومصر جنوباً، وفي وسطها تشترك مع الدولة الفلسطينية المنوي قيامها.
وفي المقابل لا تشترك الدولة الفلسطينية بالحدود مع أي دولة عربية، ما يعني انقطاعها جغرافياً مع عمقها العربي والإسلامي، فيما تشترك حدودها فقط مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، مما يعني سيطرة الاحتلال على حدودها، والتحكم بها تجارياً وعسكرياً وأمنياً، وسهولة اختراقها متى أرادت، ما يفقدها العمق الاستراتيجي الذي يسمح لها بالحفاظ على نفسها ضد أي تهديد خارجي أو داخلي.
ولم تغب مستوطنات الضفة الغربية عن الصفقة، فأعلنت السيادة “الإسرائيلية” عليها، تلى إعلاناً سابقاً للولايات المتحدة الأمريكية عبرت فيه أن المستوطنات في الضفة الغربية لم تعد مخالفة للقانون الدولي، وأن حل مشكلة اللاجئين يجب أن يتم خارج حدود دولة الاحتلال، دون ذكر للكيفية والطريقة التي سيتم بها.
وفيما يخص أمن دولة الاحتلال – الذي يعد من أولويات الإدارة الأمريكية- فيجب على الدولة الفلسطينية التي سيتم إنشاؤها أن تكون منزوعة السلاح، وأن تحارب الفلسطينيين المسلحين (حماس والجهاد الإسلامي) أو ما أسماه بـ”الإرهاب”، وهذا بمثابة تراجع عما قامت بها الدول العربية في حربها مع دولة الاحتلال عام 1948، والذي وصفه الرئيس الأمريكي بالخطيئة.
وبهذا تكون صفقة القرن بمثابة إعلان الحل النهائي لقضايا المفاوضات المؤجلة، إلا أن الإعلان يؤكد على ضرورة التفاوض مع الفلسطينيين، والسؤال الذي يطرح نفسه: فيمَ سيكون التفاوض؟ وعلامَ إذا كان مستقبل القضية وقضاياها الرئيسية قد حسمت؟
“القدس” عاصمة لدولتين
المفاجئ في هذا الإعلان هو الاعتراف بالقدس الكاملة والموحدة عاصمة للاحتلال “الإسرائيلي”، وبنفس الوقت الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المنوي قيامها، بل ويعد الرئيس الأمريكي بفتح سفارة أمريكية فيها، فعن أي قدس يتحدث الرئيس الأمريكي؟
عاصمة “فلسطين الصفقة” تقع تماماً -كما تحددها الصفقة- في كفر عقب؛ الجزء الشرقي من شعفاط، وأبو ديس، ما يعني أنها خارج حدود مدينة القدس سواءً التاريخية أو السياسية، وكأنهم يقولون إذا أردتم قدساً فقد سمينا لكم تلك المنطقة “قدس”، وفي ذلك ما فيه من استهتار بعقول العرب والفلسطينيين.
لاحقاً -عقب الخطاب- يشارك الرئيس الأمريكي على حسابه في تويتر خريطة للدولتين الفلسطينية و”الإسرائيلية” وفقاً لصفقة القرن، تظهر أن “القدس الشرقية” التي ستعطى للفلسطينيين عبارة عن أطراف من مدينة القدس.
وتظهر “فلسطين الصفقة” عبارة عن دولة جسر غير مترابطة، وهو ما لن يمكنها من تحقيق أي شكل من أشكال السيادة الداخلية، ويحرم مواطنيها من أبسط حقوقهم مثل حقهم في التنقل، ويجعل جميع أشكال تواصل هذه الدولة مع محيطها مرتبطاً بالإرادة “الإسرائيلية”، ويبقيها مخترقة من قبل الاحتلال. أما على صعيد السيادة الخارجية فحدود “فلسطين الصفقة” تشترك فقط مع دولة الاحتلال، إذ تعوم “فلسطين الصفقة” كجزيرة داخل دولة الاحتلال، لا عمق كافٍ لها للدفاع عن نفسها، عدا أنها منزوعة السلاح بكل الأحوال.
المسجد الأقصى المبارك .. مقدس مشترك
في الوقت الذي تؤكد الصفقة على إتاحة وصول مختلف الأديان إلى أماكنهم المقدسة في مدينة القدس، يؤكد الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” استمرار “الوضع القائم/ ستايتس كو” المتعلق بالمسجد الأقصى، ويعلن الرئيس الأمريكي بأنه سيفتح للصلاة لجميع الأديان، كل ذلك تحت السيادة “الإسرائيلية”، أي أن المسجد الأقصى سيصير جزءاً من دولة الاحتلال، تستطيع التحكم بجميع التفاصيل المتعلقة به، والتحكم بأبسط متعلقاته من إصلاحات وترميم، وهذا لا شك يعطيها الحق في تحديد أوقات الزيارة، والسماح للزوار المسلمين وأيضاً اليهود بالدخول إليه، وزيارته في أوقات محددة، ما سيشكل حسماً للتقسيم الزماني والمكاني في المسجد الأقصى.
وقد ذكر نص الصفقة صراحة حرية دخول جميع الأديان -التي تعتقد بقدسية المسجد الأقصى- إليه، وحرية الوصول للمصلين “المسالمين”، ما يعني نزع الحصرية الإسلامية عن المسجد الأقصى، وجعله مقدساً مشتركاً بين جميع الأديان، وترسيخاً للتقسيم الزماني؛ حيث تتحدث الصفقة عن احترام الأوقات والأعياد لكل الأديان في حق وصولهم للمسجد الأقصى، ولعل هذا ما أرادته دولة الاحتلال، الاعتراف بالمسجد الأقصى كمقدس مشترك الآن وقد يقودنا ذلك ليصبح مقدس يهودي لاحقاً.
إلا أن ما علينا إدراكه أن المسجد الأقصى هو مقدس إسلامي خالص لا يقبل التجزئة ولا المشاركة، ولا يحق لأحد غير المسلمين سيادته، أوالتحكم فيه، أو فرض سيطرته عليه، كما لا يجوز لغير المسلمين الصلاة فيه، وهذا يضع على عاتق المملكة الأردنية الهاشمية صاحبة الوصاية عليه، والسلطة الفلسطينية التي تريد دولة فلسطينية عاصمتها القدس، العمل على إيقاف هذه الإجراءات “الإسرائيلية” برعاية أمريكية، فهي إجراءات أحادية الجانب، ورفضها يعني دفعها للتراجع، وعدم السماح بتطبيقها بأي شكل.
ولا يفوتنا هنا التذكير بمركزية المسجد الأقصى في صراعنا مع الاحتلال “الإسرائيلي”، فانتفاضة عام 1988 تفجرت لمحاولة جماعة يهودية وضع حجر أساس للمعبد اليهودي في المسجد الأقصى، وتفجرت انتفاضة عام 1996 عقب محاولة الاحتلال “الإسرائيلي” فتح مدخل شمالي لنفق الحائط الغربي، وعام 2000 كان اقتحام شارون إلى المسجد الأقصى هو السبب في الانتفاضة، وعام 2015 كانت انتفاضة السكاكين نتيجة تصاعد الاعتداءات “الإسرائيلية” على المسجد الأقصى، وعام 2017 كانت هبة الأسباط بسبب محاولة الاحتلال “الإسرائيلي” فرض البوابات الإلكترونية على أبواب المسجد الأقصى، وفي العام الماضي كان الحفاظ على منطقة باب الرحمة هو السبب في “التوتر” في المسجد الأقصى، ما يؤكد أن أي محاولة لنزع الحصرية الإسلامية عن المسجد الأقصى ستزيد من اشتعال مدينة القدس، وستفجر هذا الصراع مرةً تلو مرة للحفاظ على إسلاميته.
وفي الوقت الذي تعترف الصفقة بالوصاية الأردنية على المسجد الأقصى والسيادة “الإسرائيلية” على مدينة القدس، فهي تصدِّر السعودية كطرف وقائد للمفاوضات بين الدول العربية والفلسطينيين من جهة ودولة الاحتلال من جهة أخرى، ولعل هذا تغير حقيقي في الدور السعودي في المنطقة، لتغدو السعودية الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية، وقائد التطبيع في المنطقة، من خلال الضغط على مختلف الأطراف، وهو بطبيعة الحال موافقة وتبنٍ سعودي للصفقة.
ماذا بعد؟
ربما على القيادة الفلسطينية الحالية أن تستوعب أخيراً بأن المفاوضات لا معنى لها، وأنها لم تكن إلا مضيعة للوقت بالنسبة لنا، بينما كانت لدولة الاحتلال انتزاعًا لمزيد من الأراضي لبناء المستوطنات، ومزيداً من إحكام السيطرة على مدينة القدس وتهويدها، والتدحرج بالمخططات للسيطرة على المسجد الأقصى، وأن حلم الدولة الفلسطينية بوجود الاحتلال هو حلم لن يتحقق أبداً، وما ستحصل عليه السلطة ليس إلا مجموعة جزر منزوعة السلاح لن تستطيع حكمها ، وليس لها حق التصرف في أمورها الخارجية، فأي دولة تلك؟
وإعلان الصفقة هو بمثابة إعلان فشل سياسة التنسيق الأمني، التي كلفت الشعب الفلسطيني سلاحه وأبناءه لأجل الاحتلال، في الوقت الذي كان يجب أن توجه جميع هذه المقدرات نحو العدو الأوحد وهو دولة الاحتلال، فالمقاومة هي الوحيدة القادرة على إحقاق الحق، فهذه الأرض قد احتلت بقوة السلاح
ولا يفوتنا هنا أنه بناءً على القانون الدولي فإن المعاهدات تنتهي عندما يحدث فيها إخلال جسيم، وهو ما يحدث اليوم في اتفاقيات السلام العربية- “الإسرائيلية”، ما يعني سقوطها جميعاً، وقد تكون هذه ورقة ضغط رابحة للدول العربية، للدفع نحو إلغاء هذه الصفقة، وتراجع الاحتلال “الإسرائيلي”.
ما يصنع الفرق اليوم هو من يتحرك على الأرض، ومن يرسخ الحقائق، والشعب الفلسطيني هو الوحيد القادر على تغيير المشهد، وهو الوحيد القادر على دفع الاحتلال إلى الخلف. وهذه الصفقة ستبقى حبراً على ورق ما لم يوافق عليها أحد، وما لم يتبنها أحد للتنفيذ، ولربما أضعف الإيمان أن لا تقبلها الأردن، وترفضها السلطة الفلسطينية، بل وأن يعمل كلاهما على منع تنفيذها.







